محمد متولي الشعراوي
6215
تفسير الشعراوى
وأبو الطيب المتنبي « 1 » يقول في هذا المعنى : إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا * ألّا تغادرهم فالرّاحلون هم أي : إن كنت تعيش مع قوم ، وأردت أن تفارقهم وقد قدروا أن تعيش معهم ، فالذي رحل حقيقة هم هؤلاء القوم . ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد خروج يونس مغاضبا : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ . . ( 87 ) [ الأنبياء ] أي : أنه رجّح أن الحق سبحانه لن يضيّق عليه الأرض الواسعة ، وسيهيىء له مكانا آخر غير مكان المائة الألف أو يزيدون الذين بعثه اللّه تعالى إليهم . وكان من المفروض أن يتحمل الأذى الصادر منهم تجاهه ، لكن هذا الظن - والظن ترجيح حكم - يدلنا على أن معارضة دعوته كانت شديدة تحفظ « 2 » وتملأ القلب بالألم والتعب . وكان عليه أن يوطّن نفسه على مواجهة مشقات الدعوة . والقرية التي أرسل إليها يونس عليه السّلام هي قرية « نينوى » ، وهي التي جاء ذكرها في أثناء حوار بين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والغلام النصراني « عداس » الذي قابله صلّى اللّه عليه وسلّم في طريق عودته من الطائف .
--> ( 1 ) هو : أحمد بن الحسين المتنبي ، شاعر حكيم ، ولد بالكوفة عام 303 ه ، ونشأ بالشام ، ثم تنقل في البادية يطلب الأدب وعلم العربية وأيام الناس . توفى مقتولا بالنعمانية ببغداد عام 354 ه عن 51 عاما ( الأعلام للزركلي 1 / 115 ) . ( 2 ) تحفظ : تغضب . والحفيظة : الغضب . ويقال : إن الحفائظ تذهب الأحقاد : أي : إذا رأيت حميمك يظلم حميت له ، وإن كان عليه في قلبك حقد . [ اللسان مادة حفظ ] .